
تنهـّــدت النقيب (منى) في إرتياح و هي تدلف إلى سيارة (أدهم صبري) , و قالت في لهجة تبدو السعادة واضحة في نبراتها:
- لقد أعجبيني قضاء أمسية كـُـــروية طريفة بصحبتك, دون ان أخشى أختراق رصاصة لـــرأسي.
- ضحك أدهم في سخرية و قال: هل تثير صحبتي قلقك إلى هذا الحد.
أبتسمت في خبث : لعلك لا تنكر ما نتعرض له من أخطار , كلما انطلقنا معا في واحدة من مبارياتك المفضلة بوجود حكم تونسي...
سألها باسما: و هل في هذا ما يدهشك؟
قطّبت حاجبيها في غضب, ثم لم تلبث ان تسمـّــرت في مكانها حين انطلق مذياع السيارة فجأة, و تصاعدت داخلها أنغام برنامج بالمكشوف...فزوى (أدهم) ما بين حاجبيه, و هو يدير عجلة القيادة إلى اليسار, قائلا: يبدو ان فترة راحتنا قد انتهت يا عزيزتي , إنهم يطلبوننا فورا في الإدارة.
*****
دقّ أدهم باب حجرة مــدير المـُــدونات, انتظر حتى جاء صوت يدعوه للدخول, فدفع الباب و دخل الحجرة...و برغم أن عقارب الساعة كانت تـُــؤكد ان الوقت قد تجاوز منتصف الليل, فقد كان مدير المدونات يرتدي حلته كاملة.. و بدا واضحَ الحيوية و النشاط و هو يشير إلى أدهم بالجلوس قائلا:
أجلس يا (ن-1), هل لديك معلومات كافية عن سجن " الجهوية " ؟
- كل ما أعلمه هو أنه أكثر السجون مناعة في بلادنا اليوم... إنه سجن خفي... لم نتمكن من تحديد مـــكانه بعد ... به شلّة لم ينجحوا في التخلص من خور الغرور و الإنتقاص من قيمة الآخر... و لم يتمكن من الهرب منه سوى أولئك الذين غــلّــبوا صوت العقل و التواضع و الموضوعية...
مطّ مدير المدونات شفتيه, و صمت لحظة اخرى ثم قال: - حسنا يا (ن-1), إننا نطالبك بتقرير مـُــفصل عن هذا السجن..
زوى أدهم ما بين حاجبيه في دهشة و تساؤل, و انتظر إيضاح مدير الـــمـُـــدونات الذي لم يلبث أن تابع قائلا:
- أنت تعلم ان لنا رجلا دائما في المـُــدونات التونسية , و انه يمـُــدنا باستمرار بكل ما يقع بين يديه من وثائق مفيدة..و أخيرا عــثر عميلنا على وثائق تــُــؤكـــد وجود نفس بغيض و تــصرفات مـُــستهجنة من طرف مسؤول رياضي.. وقد كشف عميلنا عن هذا المخطط في مدوّنـتِــه الحارقة , و حين شـَــهـّــر به و حـَـــذّر من سلوكاته و قع ضحية سوء فهم أدّى إلى إتهامه ... و تمـّــت محاكمته بسرعة...
غمغم أدهم في دهشة: - يا إلاهي... لا بُد لنا من إنقاذه...
أومأ مدير المـُـدونات برأسه , قائلا: - لقد نجح في رفع اللـُــبس ...
قاطعه أدهم في عناد: - لا بد من إنقاذه يا سيدي.
- لا تقلق بشأنه يا (ن-1) ...تدريبه يـُــؤهله لأن يحمي نفسه...أملنا الآن في "فرك الرمانة" و الحديث عن هذه المشكلة العويصة حتى لا تنفجر مستقبلا في" التراكن" و تحت الطاولة و في الدقيقة 88من المباريات الترفيهية... لقد قامت فرقة التدوين الصوتي بحوار مـُــدوناتي حول هذا الموضوع... و أفرز البحث أن هذا السجن لا زال مـُــتغلغلا في العقول ... و هدفك الآن البحث عن مصادر تمويل السجن و أستئصاله من الجذور...إنها بإختصار , مـُــهمة مستحيلة يا (ن-1).
نهض أدهم في هدوء وقال في لهجة تفيض عزما و حزما: سأحرّر جميع الأسرى يا سيدي, بإذن الله.
حاول مدير المُـــدونات إخفاء أبتسامة إعجاب أصرّت على الظهور فوق شفتيه, و هو يقول في لهجة.. فـــشل في أن يجعلها صارمة: لقد حصلنا لك و لزميلتك على تأشيرتي دخول إلى حرية التعبير...و ستغادر طائرتكما في السابعة صباحا.
أدّى أدهم التحية العسكرية,و استدار مـُــنصرفا في صمتٍ ... يبدو أنـّــه يَــــســــبــِـــق عاصفة.