لا خــــــوف بـــعـــــد الـــــيـــــــوم شعار رفعه البعض أواخر القرن العشرين في تونس ...
حينها كان العديد يلتفون حول التلفزة عشية كل يوم أحد , حول قناة تبث من لندن سماها صاحبها "المـُـــستقلة" .. و أطنب في وعود زهرية بالإستماتة في الدفاع عن الحرية و إيصال صوت من لا منبر له...
حينها طل علينا برهان بسبس كل يوم أحد عبر الهاتف.. ليردد أن "لا خوف بعد اليوم"... و ليسترسل في جمل إنشائية مـُـنسقة و شعاراتية تُطـــــرب السامع و تدافع عن مبادئ إنسانية ... و تنتقد بشدة سلوكيات رسمية...
خــُــــــيـّـــل للمتفائلين من متتبعي قناة المستقلة حينها أنهم حيال نفس جديد لا رجعة عنه... و أن صوت الحقوقيين في تونس قد إتخذ مجرى أشد وضوح... إستغلال "البارابول" و التكنولوجيات الحديثة... و دخول البيوت من الباب الكبير... المعلومة باتت تصل المواطن دون رقيب.
رويدا رويدا... إنتقل صوت رافعي الشعار في قناة المستقلة نحو أولويات أكثر أهمية... باتت القناة تنبش في مواضيع أشد خطورة و أكثر جدية و أكثر ملامسة لواقعنا و أكثر آنية : تارة تبحث في تاريخ آل سعود حفظهم الله و رعاهم وزاد في بترولهم... و طورا تنبش في فكر الإمام العلاّمة الناطق بأمر الله فـُــلان قدس الله ثراه...
أمـّــــا برهان , النجم البارز في القناة المــُــــتمردة آن ذاك , فلقد قيل أنه أنتدب في الوظيفة العمومية بأجر قار و محترم ... زال عنه شبح البطالة ... لا خوف عليه بعد اليوم = فقد بات بإمكان "البانكاجي" أن يمنحه قروض مــُــــيسرة في البلد الآمن بفائض معقول.
ماتت "لا خوف بعد اليوم " قبل أن تصل إلى سن البلوغ ...بل قل أنها لم تبلغ سن المراهقة .. بل قل أنها ماتت في المهد...
بعيدا عن أسباب هذا الموت السريع ... ما يلفت الإنتباه في التجربة الجد متواضعة و الجد محدودة لقناة المستقلة في الشأن التونسي نهايات القرن العشرين: هو أنها في بداياتها قد بشرت متتبعيها بطموحات واعدة ... لكنها سرعان ما تلاشت كالسراب...
هنا يولد سؤال قد يبدو للوهلة الاولى في غير محله =
ما مدى الشبه بين حملة المدونين التونسيين ضد الحجب و بين تجارب الحملات الحقوقية السابقة التي ماتت في المهد كالـــحملة المذكورة أعلاه؟؟
إذ تعيش الساحة التونسية, هذه الايام, سيناريو يحمل العديد من الطموحات= تــــشــُــن المُــدونات و شبكة الفايسبوك حملة شعواء ضد الحجب ... الحركة تبدو غـــير مـُـــسيـّــــسة ( في بـــلـــد لا زال المخيال الشعبي فيه يــعـــتــقــد أن السياسة تـُـــهمة) و مطالبها تبدو واضحة و عملية ( رفع الحجب عن جل المواقع عامة و خصوصا "الدايليموشن" و "اليوتوب" ). و هذا ما يميزها على الحملات السابقة (التي خاضتها قناة المستقلة و غيرها في فترة ما ) و هي تجارب كانت شديدة التسيس .. و خطابها الراديكالي المـُــشهر بالسلطة كان يشكل تجاوزا مربكا للعديد من الخطوط الحمراء ( سجون الرأي, الحريات, التداول على السلطة...) ... ولم يكن يبشر بأية منافذ حوار بنــّـــاء أو تفاوضي مع السلطة ... بل يتم إدراجه في خانة بث القلاقل و تهديد النظام العام ...وذلك بخلاف مطالب الإخوة الفايسبوكيين اليوم :إذ يبدو مطلبهم في ظاهره حقوقي لكن ينطوي في الآن ذاته على جانب " يـــرئ " و "ترفيهي" ( تبادل مقاطع الفيديو على اليوتوب ). مما قد يـُـسهل للسلطة - و هو أمر جد مستبعد إن لم نقل مستحيل - ان تستجيب لهم دون أن تظهر بمظهر المتراجع أو الخانع لمطلب "حقوقي" بالمعنى الحاد للكلمة.
أسلـــوب المشاركين في الحملة الحالية للمدونين و الفايسبوكيين التونسيين يتراوح بين خط يـُـــشهــّـــــر دون هـــوادة بممارسات الحجب و يرفضها جملة و تفصيلا... و بين خط أكثر "بنفسجية" يدعو "الأب" للصفح عن أبنائه و التكـــرّم بفــتح "الدايليموشن" و "اليوتوب" لأن الــشــباب الـــتــونسي يـــريد أن يـــتــبــادل الــفــيــديــوهــات الــشــيّـــقــة و المسلية دون نية في أن يــخـلق القــلاقــل.
لكن في كلتا الحالتين = تضل مجموعة من الأسئلة المقلقة تتراوح إلى الأذهان=
هل الحملة الحالية مــُـــجرد هـــبــّـــة عاطفية و آنية و قصيرة العمر؟؟؟
البعض مستبشر بأعداد الفايسبوكيين المساندين للحملة :أليس غالب المنضمين للحملة , مجرد متحمسين منضمين لمجموعة فايسبوكية يتيمة , كآلاف المجموعات الهلامية التي لا تسمن و لا تغني من جوع؟؟؟
هل النضال الفايسبوكي مـُـــجـــد و يؤدي إلى نتائج= أليست هذه الحملة مجرد موضة تستهوي عشاق النضال الغير شاق و الغير مـُــكلف ؟؟ : يكفي أن تضغط على رابط بفأرة الحاسوب لتكون داعما لقضية شائكة؟؟؟
ما هي الخطوات العملية التالية لو تم تجاهل الحملة و هو الأمر الأقرب إلى الظن؟؟؟
ماذا لو قوبلت الحملة بالتجاهل التام؟؟؟ هل ستزيد لهيبا أم ستحتضر بمرور الأيام؟؟؟
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذه الأسئلة.