... تأثـّـــر الفارس بما حـــل بقبيلته, لكنّـــه حاول مع ذلك أن يكبح جماح غضبه... أمـّــا السلطان فأسترخى على أريكته الواثرة... قضم بأسنانه جزءا كبيرا من تفاحة حمراء , و قال بصوت ناعس :- ... ترى إذا أن الطـــيور لن ترسو بأرضنا ؟
أجابه الفارس بحسرة : - فعلا يا مولاي... أهل الصين هــــلــّــوا من كل حدب و صوب... رست سُـــفنهم بـــزمبرة و هم يـُـــعدون العــُـــدة لإقامة معسكراتهم السياحية هناك.
- لكنهم إستشارونا قبل أن يحطوا الرحال.. و بعناها لهم بكثير من المال.
- عفوك يا مولاي... زمبرة ظلت طوال قرون أرضا عذراء, و مطمحا للحالمين و الشعراء.. أنرتضي بيعها و لو للأصدقاء؟
- صدقت يا غلام...لكن الصينين قالوا إنـّـــا لها لحافظون ..و إنـّـــا لــــمشروعنا لـــــدارسون... بحيث سنحافظ على خصائصها كما فعل الأقدمون.
أجابه الفارس بحماسة : - إني أ ُجـِــلُّ أرض قبيلتي عن وصمة البيع و الشراء ... فالأجانب طامعون في عــُــذرية طبيعتها.. و إني أرى شرورا قد قـــدمت و قد حان درؤها..
- ويحك يا غلام ... أتستكثر على قبيلتك جـُـــهد مـُـستثمر ... و أنت تعلم أن ما سيـــضـُـــخـّــُــه من مال في البورصة سيكون مـُـــثمـــر.
- حاشا و كلا أن أكون للإستثمار رافض ...إنما أنا في مسألة البيئة جـِــدُّ مـُــحافظ... فالتنمية إن لم تكن مـُـــستدامة , ستجلب لنا النـــــدامة.
- هذا كلام فضفاض .. أولى بك أن لا تتفوه به إلا في المرحاض.. الصينيون وعــــدونا بالمحافظة على إرثنا... و لا أرى في مشروعهم ما يــُــــهدد عرشنا...
- مولاي.. الرأي عام له تـــحفـُـــظات : الصينيون سيبنون المـُــــنشئات ...بدءا بالفنادق الفخمة و مرورا بالكاباريهات... سيجلبون الإسمنت و الحجارة , و يلطـّـــخون بها صفاء أجمل بــُـــقعة في هذه القارة ... أسعارهم ستكون نار .. و لن يقدر عليها التونسيون الأبرار... أليس في ذلك جـُــرم الإحتكار؟ ... مولاي... الطيور المــُـهاجرة, ستكون لهذه الارض هاجرة... و ثراء النباتات, سيكون عرضة للخراب و الشتات... خلاصة القول: أحوال البيئة ستكون رديئة ... و بعد أن كانت هذه الجزيرة محمية, ستصبح مـُـجرد رقعة مــَـــنـــسية.
قاطعه رئيس الإستثمارات و" الآفاريات " :- إخرس يا جبان ...أتصدح برأيك في حضرة السلطان ؟
أومأ له السلطان بأن يهدأ و قال :- أكمل يا غلام .. مأقتراحك في نهاية هذا الكلام؟
- أحسن ما أراه إلغاء هذا المشروع...و لـــنجتهد في جلب الإستثمارات إلى بقية الربوع... أما المحميات : لا نبيعها مهما كانت الإغراءات... و نورثها للأجيال القادمة دون أن نـُـــسبـّــب لها تشوهات.
أجابه السلطان في حزم:- كيف ؟ و قد وقــّــعنا الإتفاقيات ؟؟
رد الفارس بلغة الفرنجة :
Il n'est jamais trop tard pour bien faire -
همهم السلطان بإزدراء :- كلمتي لا تراجع فيها ... فــالصيني طمــأنني : بأنه للـــطبيعة مـُــحب , و للمحافظة على ثراء الجزيرة مــُــستعـــد.
قال الفارس في يأس:- إذا أرجو من حضرتكم أن تطلبوا من هذا المــُـــستثمر أن ينشر بـــجدية , ما سيفعله للمحافظة على خصوصيات هذه المحمية : إطلاع الرأي العام على تفاصيل المشروع , سـَـــيـُــــسـَـــهــّـِــل الدفاع عن هذه الربوع... كل مواطن سيـُــدلي برأيه... و نـــتـــجنـّــب أن يخرب هذا الصيني الجزيرة بجهله.
أجابه السلطان بحـــنق :- أعطيناك حرية الكلام ... فـــأنطلقت تسرد ما جال بخاطرك من أحلام... أنا عن هذا المشروع لست بمــُـــتراجع, بعد أن قال مستشاري أنه ناجع ... سنعطيهم زمبرة ليبنوها... و نزيدهم أيضا زمبرتة ليُعمـّــروها.










